يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

199

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

شيء ولا صانع ولا ما يحتاج إليه ذلك الصانع من المطعومات والمشروبات والمنكح والملبس والكتاب والتجار والحاكم والوالي والجند ورزقهم والدور والسور ، كل ذلك مرتبط بعضه ببعض ، وبعضه يطلب بعضا ، حتى لا يبقى في الوجود صغير ولا كبير إلا ووجدت إليه طريقا في أقل من تبنة ، لأنّ الغنيّ الحميد خلق الخلق كلهم مفتقرين ، فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] ، انظر كيف جعل في قلوب العباد الألفة والأنس حتى اجتمعوا في موضع وبنوا حولهم ما يحميهم من عدوّهم ، وضموا دورهم بعضها إلى بعض ، ولم يفترقوا كافتراق الوحوش ، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ الأنفال : 63 ] وأعني بذلك أهل كل دين ، و كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [ المؤمنون : 53 ] ، ثم مع تجمعهم وتألفهم في جبلتهم الغيظ والحسد والمنافسة ، وذلك يؤدّي إلى التقاتل والظلم ، فانظر كيف سلط اللّه عليهم السلاطين وأمدّهم بالقوّة وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا وكرها ، وكيف هدى السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد والعباد حتى رتبوا أجزاء البلد كأنها أجزاء شخص واحد يتعاون بعضهم ببعض كتعاون أعضاء الجسد بعضها ببعض ، فرتبوا الرؤساء والقضاة وزعماء الأسواق وجعلوا السجون والأعوان وأنواع النكال للعصاة ، حتى اضطروا الخلق إلى قانون العدل والاستقامة والتعاون والمساعدة ، حتى صار الحراث ينتفع بالحداد ويحتاج إليه هو وغيره ، كما يحتاج الحداد مثلا إلى النار التي ليس عنها غنى في الدنيا في أكثر الأشياء ، ويحتاج الحداد إلى آلات كثيرة يحتاج فيها إلى النجار والنجار إلى الحداد ، وهؤلاء كلهم يأكلون ويشربون ويلبسون ويسكنون وينكحون ، وليس كل واحد يعمل وحده ما يحتاج إليه ، واذكر في ذلك كل شيء من أمور الدنيا تجده ، والسلطان أيضا من جهة أخرى يحتاج إليهم في كل ما ذكر ، ويزيد عليهم بجمع المال لإقامة أرزاق الجنود وتحصين رعيته ، كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليهم في سبيل اللّه ما حميت عليهم من بلادهم شبرا . ثم السلاطين يحتاجون إلى العلماء الذين يصلحون عليهم دينهم ، والعلماء يحتاجون إلى الأنبياء عليهم السلام ، والأنبياء محتاجون إلى الملائكة ، والملائكة يفعلون ما يؤمرون ، وينتهي الأمر إلى صاحب الأمر الغنيّ الحميد ، كما بدأ منه إليه يعود . ثم ارجع إلى التبنة تجدها في ذاتها بعد ما دلت عليه من إيجاد الصانع ذات لون